حين يسبق الرأي الفكرة

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

حين يصبح الرأي أسرع من الفكرة، لا يعود الخلل في الناس بقدر ما يصبح في الإيقاع الذي نعيش داخله؛ إيقاعٌ يدفعنا لأن نقول قبل أن نفهم، وأن نعلّق قبل أن نُفكّر، وأن نختصر المعنى في جملة، والسؤال في موقف، والموقف في انحيازٍ سريع لا يترك للفكرة وقتها الطبيعي كي تتكوّن، ولا للعقل مساحته الضرورية كي يهدأ ويفهم.

في هذا الإيقاع الجديد، لا تصبح المشكلة أن الآراء كثيرة، بل أن الأفكار صارت قصيرة العمر؛ تولد وتُستهلك وتُستبدل في زمنٍ أقصر من أن تنضج، وأسرع من أن تُختبر، وأخفّ من أن تتحوّل إلى وعيٍ حقيقي أو موقفٍ مسؤول. فنحن لا ننتظر اكتمال الفكرة في داخلنا، لأن المنصّة تنتظر رأينا، والجمهور ينتظر موقفنا، والمنظومات الرقمية تكافئ السرعة لا التريّث، وترفع التفاعل لا التأمل.

ومع الوقت، لا يتغيّر شكل النقاش فقط، بل تتغيّر بنيته. تُختزل القضايا المعقّدة في عناوين، وتُضغط الأسئلة الكبيرة في تصنيفات سريعة من نوع «مع» أو «ضد»، فتفقد العقول قدرتها على الاحتمال، وعلى التدرّج، وعلى العيش في تلك المنطقة الرمادية التي تُقيم فيها معظم الحقائق الإنسانية. فننتقل، بهدوء، من محاولة الفهم إلى الرغبة في الانتصار، ومن البحث عن المعنى إلى البحث عن التأييد، حتى لا يعود الرأي مبنيًا على فكرة، بل تُبنى الفكرة على رأيٍ مسبق.

وهنا يحدث الانقلاب الهادئ: لم تعد الفكرة تُنجب الرأي، بل صار الرأي يبحث عمّا يبرّره. فتبدو النقاشات صاخبة لكنها غير مُنتجة؛ مليئة بالحركة، فقيرة بالتحوّل. يتغيّر فيها الصوت، ولا يتغيّر فيها الوعي؛ وتتبدّل فيها المواقف، ولا تتبدّل فيها طريقة التفكير.

في هذا المناخ، لا يتغيّر الخطاب العام فقط، بل يتغيّر الإنسان نفسه. يغدو أقل صبرًا على الفكرة الطويلة، أضعف استعدادًا لسماع ما يُربكه، وأكثر ميلاً لما يؤكّد قناعته السريعة. لا لأنّه صار أكثر تعصّبًا، بل لأن سرعة العالم لم تعد تترك له فرصة أن يتريّث، أو يشك، أو يُعيد النظر دون أن يشعر أنه متأخر عن الإيقاع.

وهكذا، يتقلّص فضاء التفكير الهادئ داخل الفرد، كما يتقلّص داخل المجتمع. لا لأن الأسئلة اختفت، بل لأن زمنها أصبح أضيق من أن يحتملها العقل نفسه. فنعيش مفارقة لافتة: نملك معلومات أكثر من أي وقتٍ مضى، لكننا نملك وقتًا أقل لفهمها؛ ونمتلك آراء أكثر من أي وقت، لكننا نمتلك مساحات أقل لاختبارها.

وحين ينتقل هذا النمط من الوعي إلى المجال العام، يصبح القرار أكثر استعجالًا، والسياسة أكثر حساسية للانطباع، والإدارة أكثر انشغالًا بالصدى من الأثر. تُتخذ القرارات أحيانًا لأن المناخ العام يدفع إليها، لا لأن الفكرة نضجت بما يكفي لتحمل مسؤوليتها. وتُعاد صياغة الأولويات لأن الانطباع تغيّر، لا لأن الواقع تغيّر فعلًا.

وهنا لا يكون الخطر في الخطأ ذاته، بل في تحوّل الخطأ إلى نمط، والاستعجال إلى ثقافة، والسطح إلى معيار غير معلن للنجاح والتقدير. فالمؤسسات، مثل الأفراد، قد تنشغل بالحركة على حساب الاتجاه، وبالاستجابة على حساب الرؤية، وبإدارة الانطباع على حساب بناء المعنى.

لذلك، قد لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الآراء، ولا إلى منصّات أسرع، ولا إلى نقاشات أوسع؛ بل نحتاج فقط إلى استعادة حقٍ بسيط أصبح نادرًا: حق الفكرة في أن تأخذ وقتها.

أن نمنح السؤال زمنه الطبيعي قبل أن نُجيب، والمعنى مساحته قبل أن نُعلّق، والوعي فرصة أن ينضج قبل أن نُطالبه بأن يُقرّر. لأن الرأي الذي يسبق الفكرة قد يكون سريعًا… لكنه نادرًا ما يكون عميقًا. أمّا الفكرة التي تسبق الرأي، فهي وحدها القادرة على أن تصنع وعيًا، لا ضجيجًا، واتجاهًا، لا مجرّد حركة.

 

 

الأكثر قراءة

z